عداد الزوار

الأحد، 21 أكتوبر 2018

ربِّ أعنِّي ولا تُعِنْ عليَّ


دعاء نبوي عظيم

بَاب فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قال الترمذي في سننه:
3551 حَدَّثَنَا
مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ،قال: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ،عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ طُلَيْقِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو يَقُولُ" رَبِّ أَعِنِّي؛ وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ؛ وَانْصُرْنِي؛ وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ ؛وَامْكُرْ لِي؛ وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ ؛وَاهْدِنِي وَيَسِّرْ الْهُدَى لِي؛ وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ ؛رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا؛ لَكَ ذَكَّارًا؛ لَكَ رَهَّابًا؛ لَكَ مِطْوَاعًا ؛ لَكَ مُخْبِتًا؛ إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا؛ رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي؛ وَاغْسِلْ حَوْبَتِي؛ وَأَجِبْ دَعْوَتِي؛ وَثَبِّتْ حُجَّتِي ؛وَسَدِّدْ لِسَانِي؛ وَاهْدِ قَلْبِي؛ وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي"
سنن الترمذي »كتاب الدعوات » باب في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم - هنا= الراوي : عبدالله بن عباس - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي-الصفحة أو الرقم: 3551 - خلاصة حكم المحدث : صحيح- الدرر-
هذا الدعاء العظيم اشتمل على اثنين وعشرين سؤالًا ومطلبًا,هي من أهم مطالب العبد وأسباب صلاحه وسعادته في الدنيا وفي الآخرة.
الشرح المُجْمَل:

قَوْلُهُ " رَبِّ أَعِنِّي " أَيْ عَلَى الأعداء ." وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ " أَيِ : الْأَعْدَاء .
"وانصُرْني "، وهذا طلَبٌ للنُّصْرةِ في كلِّ الأحوالِ.

"ولا تَنصُرْ علَيَّ"، أيْ: ولا تَجعَلْني مَغلوبًا، فتُسلِّطْ علَيَّ أحَدًا مِن خَلقِك.
"َ وَامْكُرْ لِي
؛ " مَكْرُ اللَّهِ إِيقَاعُ بَلَائِهِ بِأَعْدَائِهِ دُونَ أَوْلِيَائِهِ ،
وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ:أي ولا تهد عدوي إلى طريق دفعه إياي عن نفسه.
وَاهْدِنِي:أي دلني على أبواب الخيرات ومن علي بالعلم النافع وبصرني بعيوب نفسي.
وَيَسِّرْ الْهُدَى لِي:
أي وسهل لي اتباع الهداية وسلوك طريقها وهيء لي أسباب الخير حتى لا استثقل الطاعة ولا اشتغل عن العبادة.
وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ: أي وانصرني على من ظلمني وتعدى علي.
رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا:أي الهمني شكرك على نعمائك وآلائك علي.
لَكَ ذَكَّارًا:أي في الأوقات كلها قائمًا وقاعدًا وعلى جنب.
."لَكَ رَهَّابًا" أَيْ : خَوَّافًا خَاشِعًا بِالْمُبَالَغَةِ.
لَكَ مِطْوَاعًا :أي كثير الطوع وهو الانقياد والمتثال والطاعة.
" لكَ مُخْبِتًا " مِنَ الْإِخْبَاتِ وَهُوَ الْخُشُوعُ وَالتَّوَاضُعُ
"إِلَيْكَ أَوَّاهًا " أَيْ : مُتَضَرِّعًا ، وَقِيلَ : بَكَّاءٌ ، وَقِيلَ : كَثِيرُ الدُّعَاء -
"ِ مُنِيبًا " مِنَ الْإِنَابَةِ وَهُوَ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ-

رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي :أي بجعلها صحيحة بشرائطها واستجماع آدابها.
"واغْسِلْ حَوْبَتِي " أي:وامح ، حَوْبَتِي: بِفَتْحِ الْحَاءِ وَتُضَمُّ ، أَيْ : خَطِيئَتِي .
وَأَجِبْ دَعْوَتِي :أي دعائي.
وَثَبِّتْ حُجَّتِي :أي على أعدائك في الدنيا والعقبى,وثبت قولي وتصديقي في الدنيا وعند سؤال الملكين.

"وَسَدِّدْ لِسَانِي" أي: صَوِّبْ لِساني؛ حتَّى لا يَنطِقَ إلَّا بالحقِّ، ولا يَقولَ إلَّا الصِّدْقَ.

"واهْدِ قَلْبي"، أي: أرشِدْه ووفِّقْه إلى مَعرِفتِك، ومعرفةِ الحقِّ والهُدى والصِّراطِ المستقيم.
"وَاسْلُلْ " أَيِ : انْزَعْ "سَخِيمَةَ
صَدْرِي " بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ الْحِقْدُ . حاشية السندي على ابن ماجه= هنا =

*الشرح المفصل :
الدُّعاءُ والتَّذلُّلُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ بكلِّ ما يَليقُ بذاتِه مِن مَفاتيحِ تَفْريجِ الكُروبِ، وفيه يُظهِرُ العبدُ تَضرُّعَه وانقيادَه للهِ سبحانه؛ لعِلْمِه بأنَّه سبحانه هو القادرُ على إجابةِ دُعائِه.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ ابنُ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عنهما: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم كان يقولُ في دُعائِه: "رَبِّ أعِنِّي"، أي: أطلُبُ مِنك العونَ، والتَّوفيقَ لطاعتِك، وعبادتِك على الوجهِ الأكملِ الَّذي يُرْضيك عنِّي, وأطلُبُ مِنك العونَ على جميعِ الأمورِ الدِّينيَّةِ والدُّنيَويَّةِ والأُخرَويَّةِ، وفي مُقابلةِ الأعداءِ أمِدَّني بمَعونتِك وتوفيقِك.

أَيْ عَلَى أَعْدَائِي فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا مِنَ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ .
"ولا تُعِنْ علَيَّ" ولا تَجعَلْ عونَك لِمَن يمنَعُني عن طاعتِك مِن النَّفْسِ الأمَّارةِ بالسُّوءِ، ومِن شَياطينِ الإنسِ والجِنِّ.

"وانصُرْني"، وهذا طلَبٌ للنُّصْرةِ في كلِّ الأحوالِ، وقيل: مَعْناه: انصُرْني على نَفْسي الأمَّارةِ بالسُّوءِ؛ فإنَّها أَعْدى أعدائي، كما قال سبحانَه"إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي"يوسف: 53، ولا مانِعَ مِن إرادةِ الجَميعِ؛ لأنَّه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم لم يُخصِّصْ نوعًا مُعيَّنًا. "ولا تَنصُرْ علَيَّ"، أيْ: ولا تَجعَلْني مَغلوبًا، فتُسلِّطْ علَيَّ أحَدًا مِن خَلقِك, ولا تَنصُرِ النَّفسَ الأمَّارَةَ بالسُّوءِ علَيَّ، فأتَّبِعَ الهَوى وأترُكَ الهُدى.

*قال أبو داوود فى سننه: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ،قال :حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ،عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ ،عَنْ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ ،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ قال"قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَالسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ ،قَالَ قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ"
سنن أبي داود » أبواب النوم » باب ما يقول إذا أصبح / صفحة 317 / حديث رقم 5067/ قال الشيخ الألباني : صحيح والدرر السنية


"وامْكُرْ لي"، والْمَكْرُ هو الخِداعُ، وهو مِن اللهِ إيقاعُ بَلائِه بأعدائِه مِن حيثُ لا يَشعُرون في قابلة مكرهم، وهو صِفةُ كَمالٍ في حَقِّه تعالى، أي: أنزِلْ مَكْرَك بمَن أراد بي شَرًّا وسُوءًا، وارزُقْني الحيلةَ السَّليمةَ، والطَّريقةَ الْمُثْلى في دَفْعِ كَيْدِ عدوِّي، فأَسْلَمَ مِن كَيدِهم وشَرِّهم.

أي: اللَّهُمَّ اهْدِنِي إِلَى طَرِيقِ دَفْعِ أَعْدَائِي عَنِّي.
"ولا تَمكُرْ علَيَّ"، أي: ولا تَهْدِ عدُوِّي إلى طريقِ دَفْعِه إيَّاي عن نفسِه, ولا تُعامِلْني بسُوءِ نيَّتي، فأغتَرَّ وأتجاوَزَ الحَدَّ مِن حيثُ لا أشعُرُ فأَهلكَ، والمكرُ مِن صفاتِ اللهِ تعالى الفِعليَّةِ المقيَّدةِ الَّتي تقَعُ بمَشيئتِه، فلا تُطلَقُ على اللهِ تعالى إلَّا في سبيلِ المقابَلةِ والجزاءِ لِمَن يَمكُرُ به تعالى وبأوليائِه.

*قال أبو داود في سننه : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قال: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، قال: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ،عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَافَ قَوْمًا قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ"
سنن أبي داود» كتاب الصلاة » باب تفريع أبواب الوتر » باب ما يقول الرجل إذا خاف قوما=الدرر =
"اللَّهمَّ إنَّا نَجعَلُك في "نُحورِهم" في مَوضْعِ النَّحْر؛ يَعني: استِقْبالَهم مِن الأمامِ، وهي جهةُ المُواجَهةِ معَهم، وأيضًا النَّحْرُ هو: موضِعُ الذَّبْحِ والقَتْلِ، فالمعنى: أن يَكفِيَنا اللهُ مِنهم إذا أرادونا بسوءٍ، "ونَعوذُ بك مِن شُرورِهم" ونَلوذُ ونلتجِئُ باللهِ مِن كَيدِهم ومَكْرِهم، وما يُريدون بنا من شرورٍ.
وفي الحديثِ: الاستعانةُ باللهِ في الحروبِ وجميعِ الأحوالِ. =الدرر = .

"واهْدِني"، أي: أرشِدْني ووَفِّقْني بالهدايةِ مِن عندِك، ولا أَزيغَ عنها حتَّى ألْقاك. "ويَسِّرِ الهُدى لي"، أي: سَهِّل لي اتِّباعَ الهدايةِ، وسُلوكَ طَريقِها، وهَيِّئْ لي أسبابَ الخيرِ، حتَّى لا أستَثقِلَ الطَّاعةَ، ولا أنشَغِلَ عن العبادةِ.

*عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول"اللهمَّ ! إني أسألُك الهدى والتقى ، والعفافَ والغنى . وفي روايةٍ : والعفَّةَ" الراوي : عبدالله بن مسعود - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم-
الصفحة أو الرقم: 2721 - خلاصة حكم المحدث : صحيح- الدرر =
الشرح:هذا حديثٌ جامِعٌ لِأبوابِ الخَيْرِ، وما يَنْبَغِي على الإنْسانِ فِعلُه لصَلاحِ حالِه، ومَآلِهِ في الدُّنيا والآخِرَةِ.
فقَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"أَسألُكَ الهُدَى والتُّقَى" مِن دونِ تَقْيِيدٍ لَهُما لِيتناوَلَ كُلَّ ما يَنْبَغِي أنْ يَهتَدِيَ إليه مِن أمْرِ المعاشِ والمعادِ، ومَكارمِ الأَخْلاقِ، وكُلَّ ما يَجِبُ أن يَتَّقيَ مِنه مِن الشِّركِ والمعاصِي، ورَذائلِ الأَخْلاقِ.
وقَولُه"العَفافُ" العِفَّةُ عن كُلِّ ما حَرَّمَ اللهُ عليه، فالعَفافُ: أنْ يَعِفَّ عن كُلِّ ما حرَّم اللهُ عليه فيما يَتعلَّقُ بِجَميعِ المحارمِ الَّتي حَرَّمها اللهُ عزَّ وجلَّ. وأمَّا "الغِنى" فَالمُرادُ به الغِنَى عَمَّا سِوَى اللهِ، أيِ: الغِنَى عَنِ الخَلْقِ، فَالإنسانُ إذا وَفَّقَه اللهُ ومَنَّ عليه بِالاستغْنَاءِ عنِ الخَلْقِ، صار عَزيزَ النَّفْسِ غَيرَ ذَليلٍ؛ لأنَّ الحاجَةَ إلى الخَلْقِ ذُلٌّ ومَهانَةٌ، والحاجَةُ إلى اللهِ تَعالى عِزٌّ وعِبَادَةٌ.
وفي الحديثِ: أنَّ الَّذي يَملِكُ النَّفعَ والضَّرَّ والهِدايةَ لِلخَلْقِ هو اللَّهُ وَحْدَه، لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبيٌّ مُرْسَلٌ ولا غَيرُهُما .
- الدرر =

مَراتِب الهداية:
قال ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد : الهداية أربعة أنواع :
°أحدها : الهداية العامة المشتركة بين الخلق المذكورة في قوله تعالى " قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى " طه :50" أي أعطَى كلَّ شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره ، وأعطى كل عضو شكله وهيئته ، وأعطى كل موجود خلقه المختص به ثم هداه لما خلقه من الأعمال .
قال وهذه الهداية تعم الحيوان المتحرك بإرادته إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره .
قال وللجماد أيضا هداية تليق به ، كما أن لكل نوع من الحيوان هداية تليق به وإن اختلفت أنواعها وصورها ، وكذلك لكل عضو هداية تليق به ، فهدى الرجلين للمشي ، واللسان للكلام ، والعين لكشف المرئيات ، وهلم جرا .
وكذلك هدى الزوجين من كل حيوان إلى الازدواج والتناسل وتربية الولد ، والولد إلى التقام الثدي عند وضعه ، ومراتب هدايته سبحانه لا يحصيها إلا هو .
°الثاني : هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر ، وطريقي النجاة والهلاك .
وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام فإنها سبب وشرط لا موجب ، ولهذا ينتفي الهدى معها كقوله تعالى"
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى"فصلت 17. أي بينا لهم وأرشدناهم ودللناهم فلم يهتدوا .
°الثالث : هداية التوفيق والإلهام ، وهي الهداية المستلزمة للاهتداء فلا يتخلف عنها وهي المذكورة في قوله تعالى "إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ"القصص : 56. فنفى عنه هذه الهداية وأثبت له هداية الدعوة والبيان في قوله "وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ "الشورى : 52..
°الرابع : غاية هذه الهداية وهي الهداية إلى الجنة أو النار إذا سيق أهلهما إليهما . قال تعالى "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ " يونس :9" وقال أهل الجنة فيها " وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " الأعراف:43. وقال في حق أهل النار " احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ " الصافات : 22، 23، . انتهى. غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب . هنا =

"وانصُرْني على مَن بَغى علَيَّ"، أي: وانصُرْني على مَن ظلَمَني وتَعدَّى علَيَّ, وهذا تخصيصٌ بعدَ العُمومِ في قولِه أوَّلًا "وانصُرْني ولا تَنصُرْ علَيَّ".

بعد: أن توسَّل إليه تعالى فيما ينفعه في تعامله وسيره مع خلقه، شرع في التوسل إلى اللَّه تعالى فيما ينفعه ويقرّبه، ويصلح أحواله مع عبادته لربه تعالى، وأن هذه المطالب هي الأعظم والأهمّ عنده، كما دلّ على ذلك صيغ المبالغة، وتقديم الجار والمجرور= هنا =

"ربِّ اجعَلْني لك شَكَّارًا"، أي: كثيرَ الشُّكرِ في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، وفي القولِ والعمَلِ، وفي السِّرِّ، وفي العلَنِ،-
وفي تقديمِ الجارِّ والمجرورِ "لك" دَلالةٌ على الاختِصاصِ، لِلِاهْتِمَامِ وَالِاخْتِصَاصِ أَوْ لِتَحْقِيقِ مَقَامِ الْإِخْلَاصِ- أي: أخُصُّك بالشُّكرِ؛ لأنَّك خالِقُ النِّعَمِ، ومُعْطيها، سأَل اللهَ التَّوفيقَ إلى الشُّكرِ؛ لأنَّ به تَدُومُ النِّعمُ.

"لكَ ذَكَّارًا"، أي: كثيرَ الذِّكرِ لك في كلِّ الأوقاتِ والأحوالِ، وفي سُؤالِه تعالى التَّوفيقَ إلى الذِّكرِ؛ لأنَّه هو أفضلُ الأعمالِ.
قال صلى الله عليه وسلم:
"ألا أنبِّئُكُم بخيرِ أعمالِكُم ، وأزكاها عندَ مليكِكُم ، وأرفعِها في درجاتِكُم وخيرٌ لَكُم مِن إنفاقِ الذَّهبِ والورِقِ ، وخيرٌ لَكُم من أن تلقَوا عدوَّكُم فتضرِبوا أعناقَهُم ويضربوا أعناقَكُم ؟ قالوا : بلَى . قالَ : ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى قالَ معاذُ بنُ جبلٍ : ما شَيءٌ أنجى مِن عذابِ اللَّهِ من ذِكْرِ اللَّهِ "الراوي : أبو الدرداء - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي-الصفحة أو الرقم: 3377 - خلاصة حكم المحدث : صحيح = الدرر =

الشرح:
لذِكرِ اللهِ تَعالَى فوائدُ كثيرةٌ؛ فهو يُطَمئِنُ القلبَ، ويَرفَعُ الدَّرجاتِ، ويَمْحو اللهُ تعالى به السَّيِّئاتِ، وقد حثَّنا النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم على الإكثارِ مِن الذِّكرِ، وبيَّن لنا أنَّه يكونُ في كلِّ الأوقاتِ؛ كما في هذا الحديثِ، حيثُ يَقولُ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم لأصحابِه: "ألَا"، أي: هَل، "أُنبِّئُكم بخيرِ أعمالِكم"، أي: أُخبِرُكم وأُعْلِمُكم بأفضلِ أعمالِكم وأشرَفِها، "وأزْكاها"، أي: أَنْماها وأطهَرِها وأنقاها، عندَ "مَليكِكم"، المليكُ بمَعْنى المالكِ، وهو اللهُ عزَّ وجلَّ؛ فهو المَلِكُ والمالِكُ سبحانه وتعالى، "وأرفَعِها في دَرَجاتِكم"، أي: مَنازِلِكم في الجنَّةِ يومَ القيامةِ، "وخيرٍ لَكُم مِن إنفاقِ"، أي: التَّصدُّقِ وبَذْلِ أموالِكم مِن "الذَّهبِ"، وهو المعدِنُ المعروفُ، "والوَرِقِ"، أي: الفِضَّةِ، "وخيرٍ لكم مِن أن تَلْقَوْا عدوَّكم" مِن الكُفَّارِ للقِتالِ، "فتَضْرِبوا أعناقَهم"؛ وذلك بأن تَقتُلوهم، "ويَضْرِبوا أعناقَكم؟" بأن يَقتُلوكم، وهذا بيانٌ لِبَذْلِ النُّفوسِ، "قالوا"، أي: صَحابةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم الحاضِرون معَه: "بلى"، أي: أخبِرْنا بهذا العمَلِ الَّذي له هذا الثَّوابُ العظيمُ، "قال" رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم "ذِكْرُ اللهِ تعالى"، في كلِّ الأوقاتِ وعلى جميعِ الهيئاتِ والحالاتِ، "قال مُعاذُ بنُ جَبلٍ"، ابنِ عَمرِو بنِ أوسِ بنِ عائذِ بنِ عَدِيِّ بنِ كعبِ بنِ عمرٍو الأنصاريُّ الخزرجيُّ رَضِي اللهُ عَنه "ما شيءٌ أنْجَى"، أي: أعظَمُ الأشياءِ الَّتي يَنْجو بها العبدُ يومَ القيامةِ، "مِن عَذابِ اللهِ" وعِقابِه وسَخطِه ونارِه، "مِن ذِكْرِ اللهِ" تعالى في جميعِ الأوقاتِ وعلى جميعِ الهيئاتِ.
وهذا مِن فَضلِ اللهِ على عِبادِه وتَكرُّمِه عليهم؛ فإنَّ إدامةَ الذِّكْرِ تَنوبُ عن التَّطوُّعاتِ، وتَقومُ مَقامَها، سواءٌ كانَت بدَنيَّةً أو ماليَّةً، وقد جاء ذلك صريحًا في صَحيحِ مسلمٍ مِن حديثِ أبي هُريرةَ رضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم قال: "أفَلا أُعلِّمُكم شيئًا تُدرِكون به مَن سبَقَكم، وتَسْبِقون به مَن بَعْدَكم، ولا يَكونُ أحَدٌ أفضَلَ مِنْكم إلَّا مَن صنَع مِثلَ ما صنَعتُم؟ قالوا: بَلى يا رسولَ اللهِ! قال: تُسبِّحون وتَحْمَدون وتُكبِّرون خَلْفَ كلِّ صلاةٍ"، الحديثَ، .......
وفي الحديثِ: فضلُ الذِّكرِ والحثُّ على الإكثارِ مِنه، وتَفاوُتُ الأعمالِ في الشَّرفِ.
وفيه: أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يَتفضَّلُ بالثَّوابِ الكَبيرِ على العملِ اليسيرِ.
= الدرر =

"لا يقعدُ قومٌ يذكرون اللهَ عز وجل إلا حفَّتْهم الملائكةُ ، وغشيتْهم الرحمةُ ، ونزلتْ عليهم السكينةُ ، وذكرهم اللهُ فيمن عنده"الراوي : أبو سعيد الخدري و أبو هريرة - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2700 - خلاصة حكم المحدث : صحيح = الدرر =
الشرح:
ذِكرُ اللهِ عزَّ وجلَّ مِن أيسَرِ العِباداتِ، ومعَ ذلكَ فهوَ مِن أعظمِها أَجْرًا؛ إذ يدلُّ على تعلُّق القَلبِ باللهِ، وفي هذا الحديثِ يُبيِّنُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه "لا يَقعُدُ قومٌ" والمُرادُ "بالقُعودِ" حَبسُ النَّفسِ على ذِكرِ اللهِ، وقولُه: "يَذكُرونَ اللهَ عزَّ وجلَّ"، أي: بما ورَدَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، مِن التَّسبيحِ والاستِغفارِ، وقِراءة القِرآنِ ودِراستِه، وغيرِ ذلك، "إلَّا حفَّتْهم الملائكةُ"، أي: أحاطتْ بِهمُ المَلائكَةُ التي تَبحَثُ عن مَجالسِ الذِّكرِ، "وغشيَتْهُم الرَّحمةُ"، أي: عمَّتْهُمُ رحمةٌ مِنَ اللهِ، "ونزلَتْ علَيهِمُ السَّكينَةُ"، و"السَّكينَةُ": الطُّمأنينَةُ والوَقارُ، فتَطمئنُّ قلوبُهم بذكْرِ اللهِ، "وذَكَرَهمُ اللهُ فيمَن عِندَهُ"، أي: يُباهِي بِهم مَن عِندَهُ في المَلأِ الأَعلَى.
وفي الحديث: بيانٌ لفَضلِ ذِكرِ اللهِ تعالى في جماعةٍ، وبيانُ ما يكونُ لهم مِن اللهِ سبحانَه حالَ ذِكرِهم.
= الدرر =

اللهم اجعلني لكَ ذَكَّارًا.


"لك رَهَّابًا"، أي: خائِفًا منك في كلِّ أحوالي.
“إني أخاف الله” حصن حصين، وسد منيع يحول بين الإنسان وبين مقارفة الفواحش والآثام، يحول بينه وبين كل إثم وقبيح ورذيلة، شعار عظيم يحمي الدين ويحمي الأخلاق ويحمي الإيمان ويحمي العقيدة ويحمي المجتمعات من الشر والفساد.. فالخائف من الله حقًّا هو الذي يتجنب محارم الله، وليس الخوف بكثرة البكاء ولا بغزارة الدموع، وإنما الخوف حقًّا هو الخوف الذي ينهى النفس عن هواها، ويأمرها بطاعة مولاها، ويقودها إلى جنة المأوى ودار النعيم.. “إني أخاف الله”.

قال تعالى"وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى"النازعات :40.
ولمن خاف قيام ربه عليه وكونه مراقبًا له، ومهيمنًا عليه. و خاف عظمته وجلاله ، وسلح نفسه بالإِيمان والعمل الصالح استعدادًا لهذا اليوم الذى يجازَى فيه كلُّ إنسانٍ بما يستحقُه ، وزجر نفسه وكفها عن السيئات والمعاصي والميول نحو الأهواء الضالة المضلة .تفسير الوسيط=هنا= وهنا=
في زمن آدم -عليه السلام- نزغ الشيطان بين ولديه، وأوقع في نفس أحدهما أن يقتل أخاه لسبب تافهٍ سخيف فذهب هذا الأخ متكبرًا متجبرًا، وأخذ يهدد أخاه ويتوعده بالقتل.فما كان جواب الأخ المُهَدد؟
قال تعالى"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ*قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهََ رَبَّ الْعَالَمِينَ"المائدة:27- 28.
ما امتنع ضعفًا ولا عجزًا ولا جُبنًا، ما امتنع لأنه غير قادر عن الدفاع عن نفسه،ما امتنع لأنه لا يملك سلاحًا في يده ،وإنما امتنع خوفًا من الله "إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ".

وهذا يوسف عليه السلام عصمه الخوف من الله من الوقوع في الفاحشة:
*قال تعالى "وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ " يوسف : 23 .
"قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ " أي: أعوذ بالله
وأعتصم به اعتصامًا مما تحاولينه معي أن أفعل هذا الفعل القبيح، لأنه مما يسخط الله .والضمير في «إِنَّهُ» يصح أن يعود إلى الله- تعالى- فيكون لفظ ربي بمعنى خالقي.
والتقدير: قال يوسف في الرد عليها: معاذ الله أن أفعل الفحشاء والمنكر، بعد أن أكرمنى الله- تعالى- بما أكرمنى به من النجاة من الجب، ومن تهيئة الأسباب التي جعلتني أعيش معززًا مكرمًا، وإذا كان- سبحانه- قد حباني كل هذه النعم فكيف أرتكب ما يغضبه؟.
وجوز بعضهم عودة الضمير في «
إِنَّهُ» إلى زوجها، فيكون لفظ ربي بمعنى سيدي ومالكي، والتقدير: معاذ الله أن أقابل من اشتراني بماله، وأحسن منزلي، وأمرك بإكرامي- بالخيانة له في عرضه.
وفي هذه الجملة الكريمة تذكير لها بألطف أسلوب بحقوق الله- تعالى- وبحقوق زوجها، وتنبيه لها إلى وجوب الإقلاع عما تريده منه من مواقعتها، لأنه يؤدي إلى غضب الله وغضب زوجها عليها.
وجملة" إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ" تعليل آخر لصدها عما تريده منه.أي: إن كل من ارتكب ما نهى الله- تعالى- عنه، تكون عاقبته الخيبة والخسران وعدم الفلاح في الدنيا والآخرة فكيف تريدين مني أن أكون كذلك؟.
تفسير الوسيط=هنا=

فإذا عرضت لك وسوسة من إنسان، أو نزغة من شيطان، أو فتنة من الفتن، فاصرخ بكل صوتك وقل"إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ".

فإذا سعت فتنُ الحياةِ تبشُّ لكْ
وتبرّجت في خلوة الرُّقباءِ لكْ
وأتت تدندنُ في المكانِ بهيت لكْ
قل"
إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ"
مهما تبرجت الفتن وزينها الشيطان ؛من نظر محرم وسمع محرم وكلام محرم وبطش محرم باليد والرجل ، فقد يزين الشيطان ما يغضب الله بأن هناك مصالح تُجنى مع هذا الفعل ، درء المفاسد أولى من جلب المصالح
فلنتعوذ ونسأل الله العافية من شر حواسنا :
* عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ عَلِّمْنِي تَعْوِيذًا أَتَعَوَّذُ بِهِ قَالَ : قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي ،وَشَرِّ بَصَرِي، وَشَرِّ لِسَانِي، وَشَرِّ قَلْبِي ، وَشَرِّ مَنِيِّي" مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح »كتاب أسماء الله تعالى »باب الاستعاذة - هنا= و الدرر السنية =
الشرح:

"اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بك مِن شرِّ سَمْعي"، أي: أنْ يكونَ في مَعصيتِكَ؛ كتصنتٍ وتجسُّسٍ فيما حرَّم اللهُ عزَّ وجلَّ، "ومِن شرِّ بصَري"، أي: أن أُطلِقَه فيما أمَر اللهُ عزَّ وجلَّ بغَضِّ البصرِ عنه، "ومِن شرِّ لساني"، أي: مِن الكلامِ الَّذي لا يكونُ فيه ذِكرُ الله تعالى، أو ممَّا أباحه اللهُ عزَّ وجلَّ، "ومِن شرِّ قَلْبي"، أي: مِن أن يعتقِدَ اعتقادًا فاسدًا، أو يكونَ به حِقْدٌ أو حسَدٌ أو حبٌّ للمعاصي وأهلِها، "ومِن شَرِّ مَنِيِّي- يَعْني: فَرْجَه"، أي: أعوذُ بك أن أُوقِعَه في غَيرِ مَحلِّه أو يُوقِعَني في الزِّنا، أو أنْ يَغلِبَ عليَّ حتَى أقَعَ في الزِّنا أو مُقدمِّاته، وقيل: المرادُ الاستعاذةُ مِن شَرِّ شِدَّةِ الشَّهوةِ إلى الجِماعِ؛ فإنَّه بالإفراطِ ربَّما أوْقَعَ في الزِّنا أو مُقدِّماتِه. وتَخصيصُ هذِه المذكوراتِ بالاستعاذةِ منها؛ لأنَّها أصلُ كلِّ شَرٍ وقاعدتُه ومَنبعُه. الدرر السنية =

"لك مُطيعًا"، وفي روايةٍ: "لك مِطْواعًا"، أي: كثيرَ الطَّوْعِ، وهو الانقيادُ والامتِثالُ والطَّاعةُ لأوامِرِك، والبعدُ عن نَواهيك.
"لك مُخبِتًا"، أي: كثيرَ الإخباتِ
أَيْ خَاضِعًا خَاشِعًا مُتَوَاضِعًا مِنَ الْإِخْبَاتِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ، وعلامَتُه: أن يَذِلَّ القلبُ بينَ يدَيِ اللهِ تعالى إجلالًا وتذَلُّلًا.
"إليك أوَّاهًا"
والأوَّاهُ هو: الرحيم الرقيق القلب ، كثيرُ التَّضرُّعِ والدُّعاءِ والبُكاءِ للهِ عزَّ وجلَّ .أَيْ مُتَضَرِّعًا فَعَّالٌ لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ أَوَّهَ تَأْوِيهًا وَتَأَوَّهَ تَأَوُّهًا إِذَا قَالَ أَوْهُ أَيْ قَائِلًا كَثِيرًا لَفْظَ أَوْهُ وَهُوَ صَوْتُ الْحَزِينِ . أَيِ اجْعَلْنِي حَزِينًا وَمُتَفَجِّعًا عَلَى التَّفْرِيطِ أَوْ هُوَ قَوْلُ النَّادِمِ مِنْ مَعْصِيَتِهِ الْمُقَصِّرِ فِي طَاعَتِهِ وَقِيلَ الْأَوَّاهُ الْبَكَّاءُ.

"مُنيبًا
" والمنيبُ كثيرُ الرُّجوع إلى اللهِ مِن الذُّنوبِ والخَطايا.

وَالْإِنَابَةُ مِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ وَالْفِكْرَةِ ، وَالْأَوْبَةُ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ وَالْمُشَاهَدَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ : وَإِنَّمَا اكْتَفَى فِي قَوْلِهِ أَوَّاهًا مُنِيبًا بِصِلَةٍ وَاحِدَةٍ لِكَوْنِ الْإِنَابَةِ لَازِمَةً لِلتَّأَوُّهِ وَرَدِيفًا لَهُ فَكَأَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَمِنْ قَوْلِهِ " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ" أي:كثير التضرع إلى الله، سريع الرجوع إليه في كل ما يحبه ويرضاه.

"رَبِّ تقَبَّلْ توبَتي"، أي: اجعَلْها صَحيحةً بشَرائِطِها وآدابِها، وتَقبَّلْها منِّي.

من رحمة الله بهذا الإنسان الضعيف أنه فتح له باب التوبة ، وأمره بالإنابة إليه ، والإقبال عليه، كلما غلبته الذنوب ولوثته المعاصي ، ولولا ذلك لوقع الإنسان في حرج شديد ، وقصرت همته عن طلب التقرب من ربه ، وانقطع رجاؤه من عفوه ومغفرته ، فالتوبة من مقتضيات النقص البشري ، ومن لوازم التقصير الإنساني .
عَنْ أبي عبد الرحمن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال " إن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" رَوَاهُ الْتِّرْمِذِيُّ :3537. وحسنه الألباني .

قال النووي رحمه الله تعالى " التوبة واجبة من كل ذنب ، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط: أحدها أن يُقلع عن المعصية ، والثاني أن يندم على فعلها ، والثالث أن يعزم على أن لا يعود إليها أبدًا، فإن فقد أحدَ الثلاثة لم تصحّ توبته. وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة : هذه الثلاثة ، وأن يبرأ من حق صاحبها ، فإن كانت مالًا أو نحوه ردَّه إليه ، وإن كانت حدَّ قذفٍ ونحوه مكّنه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبةً استحلّه منها . ويجب أن يتوب من جميع الذنوب ، فإن تاب من بعضها صحّت توبته -عند أهل الحق- من ذلك الذنب الذي تاب منه، وبقي عليه الباقي" انتهى كلامه رحمه الله تعالى .

"واغسِلْ حَوبَتي"، أيِ: امْسَحْ -
امْحُ -ذَنبي وإثمي، وذَكَر الغَسْلَ لِيُفيدَ إزالتَه بالكُلِّيَّةِ.
كما في دعاء الاستفتاح:
«اللَّهُمَّ اغسلْنِي مِن خطاياي بالماءِ والثَّلجِ والبَرَدِ«
إذاً؛ فالذي يظهر: أنَّ الجملةَ الأُولى في المباعدة،
أي: أن لا أفعلَ الخطايا، ثم إن فَعلتُها فنقِّني منها، ثم أزِلْ آثارَها بزيادة التطهير بالماء والثَّلجِ والبَرَدِ
فالماء لا شَكَّ أنه مطهِّرٌ، لكن الثَّلجُ والبَرَدُ مناسبته هنا أنَّ الذُّنوب آثارها العذابُ بالنَّارِ
والنَّارُ حارَّة، و الحرارةُ يناسبها في التنقية منها الشيء البارد، فالماء فيه التنظيف، والثَّلجُ والبَرَدُ فيهما التبريدُ.العثيمين = هنا =

"وأجِبْ دَعْوتي"، أي: استَجِبْ كلَّ دُعائي. "وثَبِّتْ حُجَّتي"، أي: ثبِّتْ حُجَجي وبَراهيني في الدُّنيا على أعدائِك بالحجَّةِ الدَّامِغةِ، والدَّعوةِ، والأمرِ بالمعروفِ، والنَّهيِ عن المنكَرِ بالأدلَّةِ البيِّناتِ السَّاطعةِ، وثبِّتْ قَولي في الآخرةِ عِندَ سُؤالِ الملَكَينِ في القَبْرِ، والحُججُ هي البيِّناتُ والدَّلائلُ.

"
وَسَدِّدْ لِسَانِي" أي: صَوِّبْ لِساني؛ حتَّى لا يَنطِقَ إلَّا بالحقِّ، ولا يَقولَ إلَّا الصِّدْقَ.
ثم خَتم صلَّى الله عليه وسلَّم دُعاءَه بقولِه:
"واهْدِ قَلْبي"، أي: أرشِدْه ووفِّقْه إلى مَعرِفتِك، ومعرفةِ الحقِّ والهُدى والصِّراطِ المستقيم.

" وَاسْلُلْ " بِضَمِّ اللَّامِ الْأُولَى أَيْ أَخْرِجْ مِنْ سَلَّ السَّيْفَ إِذَا أَخْرَجَهُ مِنَ الْغِمْدِ " سَخِيمَةَ صَدْرِي" أَيْ غِشَّهُ وَغِلَّهُ وَحِقْدَهُ .
"اسْلُلْ سَخيمةَ قَلْبي"، أي: أخرِجْ مِن قَلْبي: الحِقْدَ والغِلَّ، والحسدَ والغِشَّ ،
ونحوها مما ينشأ من الصدر ويسكن في القلب من مساويء الأخلاق.

القلب السليم: هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد، والشح الكبر وحب الدنيا والرياسة، فسلم من كل آفة تبعده عن الله، وسلم من كل شبهة تعارض خبر الله، ومن كل شهوة تعارض أمر الله، وسلم من كل إرادة تزاحم مراد الله، وسلم من كل قاطع يقطع عن الله.
وفي الحديثِ: الدُّعاءُ بما فيه أسبابُ الصَّلاحِ والسَّعادةِ في الدُّنيا والآخِرَةِ.
الدرر السنية = هنا = و تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي = هنا = و ملتقى الخطباء = هنا=
وبهذا الشرح الموجز لما اشتمل عليه هذا الدعاء من المسائل العظيمة والمطالب الجليلة يتبين عظم هذا الدعاء وأنه مما ينبغي الاهتمام به وملازمة التضرع به إلى الله

السبت، 6 أكتوبر 2018

العمل بالعرف وشروطه

العمل بالعرف وشروطه

السؤال :
هل يجب علينا اتباع عادات أهل البلد؟ وما الدليل؟


الجواب :
الحمد لله
من القواعد الفقهية الكبرى التي اتفق العلماء عليها ، وتدخل في عامة أبواب الفقه ، ويتفرع عليها ما لا يحصى من المسائل ، قاعدة "العادة محكمة" .

والعادة التي يشرع اتباعها ، أو تحكيمها ، هي ما توافر فيها شرطان :
الأول: ألا تخالف نصًا شرعيًّا ثابتًا .
الثاني: أن تكون العادة مُطَّرِدة ، أما إذا اضطربت ، أو تفاوتت واختلفت : فلا تكون حجة واجبة الاتباع .
جاء في شرح التلويح على التوضيح :1 / 169 " واستعمال الناس : حجة ، يجب العمل بها "انتهى .
وجاء في القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة للدكتور محمد الزحيلي:1 / 323 " إنما تعتبر العادة إذا اطردت، فإذا اضطربت فلا" انتهى.
وقال الدكتور عبد الوهاب خلاف : " العُرف : هو ما تعارفه الناس وساروا عليه، من قول، أو فعل، أو ترك، ويسمى العادة.
وفي لسان الشرعيين: لا فرق بين العرف والعادة .
والعرف نوعان: عرف صحيح، وعرف فاسد.
فالعرف الصحيح: هو ما تعارفه الناس، ولا يخالف دليلًا شرعيًّا ، ولا يُحِل مُحَرَّمًا ، ولا يُبطل واجبًا، كتعارف الناس على عقد الاستصناع، وتعارفهم على تقسيم المهر إلى مقدم ومؤخر.
وأما العرف الفاسد: فهو ما تعارفه الناس ، ولكنه يخالف الشرع ، أو يحل المحرم ، أو يبطل الواجب، مثل تعارف الناس كثيرا من المنكرات في الموالد والمآتم، وتعارفهم أكل الربا ، وعقود المقامرة.
فالعرف الصحيح يجب مراعاته في التشريع وفي القضاء، وعلى المجتهد مراعاته في اجتهاده ؛ وعلى القاضي مراعاته في قضائه؛ لأن ما تعارفه الناس ، وما ساروا عليه : صار من حاجاتهم، ومتفقا ومصالحهم، فما دام لا يخالف الشرع : وجبت مراعاته .
والشارع راعى الصحيح من عرف العرب في التشريع، ففرض الدية على العاقلة، وشرط الكفاءة في الزواج ، واعتبر العصبية - العصبة هم الأقارب الذكور من جهة الأب ، كالجد والإخوة وأبنائهم ، والأعمام وأبنائهم - في الولاية والإرث ؛ ولهذا قال العلماء: العادة شريعة محكمة .
والعرف في الشرع له اعتبار، والإمام مالك بنى كثيرًا من أحكامه على عمل أهل المدينة، وأبو حنيفة وأصحابه اختلفوا في أحكامٍ ، بناءً على اختلاف أعرافهم ...
وفي فقه الحنفية أحكام كثيرة مبنية على العرف، منها إذا اختلف المتداعيان ، ولا بينة لأحدهما : فالقول لمن يشهد له العرف، وإذا لم يتفق الزوجان على المقدم والمؤخر من المهر : فالحكم هو العرف، ومن حلف لا يأكل لحمًا ، فأكل سمكا : لا يحنث بناء على العرف، والشرط في العقد يكون صحيحًا إذا ورد به الشرع ، أو اقتضاه العقد ، أو جرى به العرف.
وقد ألَّف العلامة ابن عابدين رسالة سماها "نشر العَرف فيما بني من الأحكام على العرف"، ومن العبارات المشهورة " المعروف عرفًا ، كالمشروط شرطًا، والثابت بالعرف كالثابت بالنص" وأما العرف الفاسد : فلا تجب مراعاته ؛ لأن في مراعاته معارضةَ دليلٍ شرعي ، أو إبطالَ حكمٍ شرعي، فإذا تعارف الناس عقدا من العقود الفاسدة ، كعقد ربوي، أو عقد فيه غرر وخطر : فلا يكون لهذا العرف أثر في إباحة هذا العقد " انتهى من علم أصول الفقه :88 -90. باختصار.

والله أعلم.

الإسلام سؤال وجواب*

لابد من بيان المدة التي تنتهي فيها عقود الإجارة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فيشترط لصحة عقد الإجارة بيان المدة التي تنتهي فيها ، فإذا لم تبين هذه المدة فالإجارة فاسدة مفسوخة.
قال ابن قدامة في المغني : قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن استئجار المنازل والدواب جائز ، ولا تجوز إجارتها إلا في مدة معينة معلومة.اهـ
وهذا الشرط الذي يشترطه المستأجر على المؤجر يجعل مدة الإجارة غير معينة ولا معلومة ، وبالتالي تكون الإجارة فاسدة لخلوها من تحديد المدة، وما كان كذلك يجب فسخه ، ثم المؤجر مخير بين تأجيره لهذا المستأجر أو لغيره ملتزمًا بالشروط الشرعية في الإجارة.
وننبه هنا المستأجر إلى أنه لا يحل له البقاء على عقد الإجارة الذي لم تحدد مدته، وإذا كان يتكئ على عقد فاسد أو قوانين وضعية تسمح بهذا ، فعليه أن يعلم أن كل شرط أو قانون خالف حكم الله فهو باطل ، وأن عليه بمقتضى الإسلام أن يذعن لحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
قال عز وجل " إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" النور :51.
= إسلام ويب -مركز الفتوى - هنا=

الأربعاء، 19 سبتمبر 2018

يشترط لصوم النفل المعين تبييت النية من الليل

يشترط لصوم النفل المعين تبييت النية من الليل

السؤال:
متى تبدأ النية في صيام النافلة المعينة وليست المطلقة ؟

الجواب :
الحمد لله
لا يشترط للنافلة المطلقة تبييت النية من الليل ، بل متى نوى الصيام أثناء النهار فصام حتى غروب الشمس أجزأه ذلك ، بشرط ألا يكون فعل شيئًا من المفطرات من أول طلوع الفجر .
أما النافلة المعينة فلا بد لها من تبييت النية من الليل - قبل الفجر- .
سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
هل صيام الست من شوال ، ويوم عرفة ، يكون لها حكم صيام الفرض ، فيشترط فيها تبييت النية من الليل ؟ أم يكون لها حكم صيام النفل ، بحيث يجوز للإنسان أن ينوي صيامها ، ولو منتصف النهار ؟ وهل يكون أجر الصيام منتصف النهار ، كأجر من تسحر وصام النهار إلى آخره ؟
فأجاب :
" نعم . صيام النفل يجوز بنية من أثناء النهار ، بشرط : ألا يكون فعل مفطِرًا قبل ذلك ، فمثلاً : لو أن الإنسان أكل بعد طلوع الفجر ، وفي أثناء اليوم نوى الصوم نقول هنا : صومك غير صحيح ؛ لأنه أكل ، لكن لو لم يأكل منذ طلع الفجر ولم يفعل ما يفطر ، ثم نوى في أثناء النهار الصوم وهو نافلة فنقول : هذا جائز ؛ لأنه وردت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ولكن الأجر لا يكون إلا من وقت النية ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم" إنما الأعمال بالنيات " فما قبل النية فلا يكتب له أجره ، وما بعده يكتب له أجره ،
وإذا كان الأجر مرتبًا على صوم اليوم ، فإن هذا لم يصم اليوم كاملاً ، بل بعض اليوم بالنية ، وبناءً على ذلك : لو أن أحدًا قام من بعد طلوع الفجر ولم يأكل شيئًا وفي منتصف النهار نوى الصوم على أنه من أيام الست ثم صام بعد هذا اليوم خمسة أيام فيكون قد صام خمسة أيام ونصف يوم ، وإن كان نوى بعد مضي ربع النهار ، فيكون قد صام خمسة أيام وثلاثة أرباع ؛ لأن الأعمال بالنيات ، والحديث " من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال " .
وحينئذٍ نقول لهذا الأخ : لم تحصل على ثواب أجر صيام الأيام الستة ؛ لأنك لم تصم ستة أيام ، وهكذا يقال : في يوم عرفة ، أما لو كان الصوم نفلاً مطلقًا ، فإنه يصح ويثاب من وقت نيته فقط " انتهىمن " لقاء الباب المفتوح " 55/ 21- بترقيم الشاملة .
وقال أيضًا :
" لو علق فضل الصوم باليوم مثل صيام الاثنين ، وصيام الخميس ، وصيام البيض ، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر ، ونوى من أثناء النهار فإنه لا يحصل له ثواب ذلك اليوم .
فمثلًا : صام يوم الاثنين ونوى من أثناء النهار ، فلا يثاب ثواب من صام يوم الاثنين من أول النهار ؛ لأنه لا يصدق عليه أنه صام يوم الاثنين .
وكذلك لو أصبح مفطرًا فقيل له : إن اليوم هو اليوم الثالث عشر من الشهر ، وهو أول أيام البيض ، فقال : إذًا أنا صائم ، فلا يثاب ثواب أيام البيض ؛ لأنه لم يصم يومًا كاملًا " انتهى من " الشرح الممتع "6/ 360 .
وتنظر للفائدة إجابة السؤال رقم : 21819 .
والله أعلم .
موقع الإسلام سؤال وجواب* 


حكم تبييت النِّيَّة في صيام التّطوُّع

الجواب: مسألة صوم التطوع، للعلماء فيها قولان:
* فذهب جماعة من أهل العلم، إلى أنه يجب أن ينوي، وأن يُبيِّت النية؛ لحديث حفصة وعائشة «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فلَا صِيَامَ لَهُ»، والحديث عام لكل صوم.
* وذهب جماعةٌ من أهل العلم، وهو قول الجمهور إلى أنه يصح صوم النفل بنيَّةٍ من النَّهار.
طيب، ما الذي أخرجه عن حديث عائشة وحفصة؟ الذي أخرجه هو ما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها ذات يوم فقال «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» يعني: يؤكل؟، وانظر هذا سيِّد ولد آدم الذي لو شاء لحوَّل الله له الجبال ذهبًا، ولأجرى الأنهار تحت قدميه صلى الله عليه وسلم، يقول"يَا عَائِشَةُ، هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ، قَالَ "فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ"
فظاهر الحديث أنه أنشأ نية الصيام، لما فقد الطعام وهذا في النهار، فدلَّ هذا على جواز صيام النفل بنيَّةٍ من النَّهار.
إذًا: هذا الحديث استثناء من حديث «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنْ اللَّيْلِ».
طيب. هل هذا عامٌّ في النفل المطلق والمقيد، لأن النفل نوعان: مطلق ومقيد، والمطلق هو الذي ليس له سبب، والمقيد هو الذي ورد فيه فضل خاص كعاشوراء وعرفة وست من شوال والاثنين والخميس، وما أشبه ذلك، فهل هذا عام في النفل المطلق والمقيد؟
للعلماء فيه قولان: من أهل العلم من يقول: هذا خاص في الصوم المطلق، وأما المقيد فلابد لإدراك الفضيلة الخاصة بأن يبيت الصيام من الليل، فمن أراد إدراك فضيلة صوم عاشوراء أو إدراك فضيلة صيام الست فليبيت الصيام من الليل، وهذا لا شك أنه أطيب وأحسن، لكن لو أن الإنسان أصبح مثل أيامنا هذه، أصبح غدًا إما أصبح متأخرًا قبيل الظهر وقال: اليوم باقي عليَّ يوم من أيام الست، يومان من أيام الست، وأريد أن أصوم فالأظهر والأقرب والذي عليه الجماهير أنه يصح صومه بنيَّةٍ من النَّهار.الشيخ خالد المصلح .

الإجارة إلى أمد غير مسمى محرمة

حكم عقود المشاهرة والإيجار القديم المؤبد
الإجارة إلى أمد غير مسمى محرمة ، والمال الذي يدفعه المأجر للمستأجر لخلو رجله سحت .
وقدحكى ابن قدامة الإجماع على أن الإجارة لابد أن تكون محددة المدة،

حكم عقود المشاهرة والإيجار القديم المؤبد

إجابة الشيخ خالد الرفاعي - مراجعة الشيخ سعد الحميد

السؤال: بسم الله الرحمن الرحيم، تمتلك أمي خمس شقق بالقاهرة، وهي مؤجرة ( بعقد إيجار قديم ) صورة هذا العقد مشاهرة، من أول أبريل - مثلاً - إلى آخره، أو أن يكون مكتوبًا بالعقد من أول مارس إلى(____)، وتكونَ آخرُ المدة غيرَ معلومة، وعقب ذلك تجد البند الثانيَ يقول: إذا رغب أحد الطرفين في إنهاء العلاقة الإيجارية، يُخطَر الطرف الآخر . وقد قمت أنا وأمي مالكةِ الشقة بإخطارهم بأننا لا نرغب في تجديد العقد على هذا النحو، حيث إنهم منذ عقود طويلة يدفعون لنا أجرةً زهيدةً، لا يتناسب مع قيمةِ الشقةِ وأجرةِ مثلِها ، وأمي طلبت منهم: إما أن يزيدوا أجرةَ الشقةِ إلى أجرةِ المثل، وإما أن يسلمونا الشقة، والمستأجرون رفضوا كلا الحَلَّيْنِ . والسؤال : هل هم بفعلهم هذا يعتبرون قد ارتكبوا حرامًا؟ وهل هم آكلون لمال أمي، حيث إنهم غاصبون لشققنا، علمًا بأن القانون يبيح لهم ذلك، وعلمًا - أيضًا - بأن عقود بعض الشقق مكتوبٌ بها: إذا أخل المستأجرُ بأي شرط من شروط العقد تُعتبر يده على العين يدَ غاصب؟ وهل يختلف الحكم إذا كان المستأجر لا يجد إلا هذه الشقة التي هي ملك لأمي؟ برجاء إظهار الفتوى على الموقع.
الإجابة: الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ: فإن ما يسمى بعقود الإيجار القديم، هو إيجار بِنِظام تأبيدِ الإجارة المعمولِ به في بعض البلدان العربية، وهذا النّظام يقومُ على أنَّ لِلمُستأجِر أن يَنتفع بالمؤجَر أبدًا هو وذرّيَّته، فهو عقدٌ باطلٌ في الشريعة الإسلامية بإجماع أهل العلم؛ لأن هذا النّظام يقومُ على أنَّ لِلمُستأجِر أن يَنتفع بالمؤجَّر أبدًا هو وذرّيَّته، ومعلوم أن حبْس العَيْن عن مالكها لا يكون إلا بالبيع؛ قال ابن قدامة في "المغني": "قال ابن المنذر: أجمع كلّ مَن نَحفظ عنه من أهل العلم، على أنَّ استِئجار المنازلِ والدوابّ جائز، ولا تَجوز إجارتُها إلا في مدَّة معيَّنة معلومة" اهـ. بل ويُضاف إلى تأبيدِ المدَّة تأبيد الأُجْرة، فيظلّ المستأجِر طيلةَ هذه العقود من الزَّمان يدفَعُ أجرةً زهيدةً لا تُساوي شيئًا من أجرة المثْل اليوم، ولا شكَّ أنَّ هذا من الظّلم البيّن، فقانون الإيجار هذا مضادّ لحكم الله - تعالى - القائِم على العدل، ومنع الظلم، وتَحريم أكْل أموال الناس بِالباطل، أو الاعتِداء عليْها واغتصابها بقوَّة قانون جائر، قال الله - تعالى -"وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ"البقرة 188 ،

وفي الحديث: "فإنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكُم حرامٌ عليْكم"؛ رواهُ مسلم وغيْرُه
.وعليه؛ فعقدُ الإجارةِ المذكورُ، عقدٌ باطلٌ يَجبُ فَسخُه، وردُّ تلك الشَّقَّق لمالكها، والمالك مُخيَّر بعد ذلك بين تأجيرِ الشقة لنفس المستأجر بأجرة المثل في هذا الزمان أو لغيرِه، مع الالتزِم بِالشُّروط الشرعيَّة في الإجارة

. أما الاستِقْواء على المالك بالقانون الوضعيّ المضادّ للشريعة، فلا يخفى ما فيه من الحُرمة وأكل أموال الناس بالباطل، وغصب الحقوق، وقد أمرنا - سبحانه - عند التنازع إلى التحاكم للكتاب والسنة فقال - تعالى "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"النساء: 65، وقال - عزَّ وجلَّ " إنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"النور: 51، وقال - سبحانه "فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"النور: 63.

فإن رضِي المالك وأبرم عقدًا جديدًا شرعيًّا تُحدَّد فيه مدَّة الإيجار، مع الاتّفاق على أُجرة معلومة يرضَى بها مالك الشَّقَّة، ولا يُجبَر عليْها جبرًا بِحُكم القانون، وإلا سُلمت له شقته فهو أحق بها، وحاجةُ الساكن لا تبررُ استحواذَه على تلك الشقةِ، فليبحثْ عن سكنٍ آخرَ، أو يتوافقْ مع صاحبِة الشقة على أمر لا ظلم فيه، ولا مخالفة لشرع الله - عز وجل -. هذا، وقانون الإيجار القديم، ليس هو ما يُعْرف في الفقه الإسلامي بعقود المُشَاهَرة، والذي صححه المالكية والحنفِيَّة وبعضِ الحنابِلة وأبو ثَوْرٍ، وغيرُ صحيحٍ عند الشافعيَّة؛ لِعدم تحديد مُدَّة الإجارة. لأن عقد المشاهَرةِ عند القائلين به، عقدٌ غيرُ لازِمٍ لأحد الطرفَيْنِ، بل هو مُنحَلٌّ من جِهَتِهِمَا، فأيُّهما أراد فَسْخَ العقْدِ فَلَهُ ذلك ما لم يَدْفَعِ المستأجِرُ الأُجْرَةَ أو يَبْدَأْ في الشهر أو السنة، قال الدَّرْدِيرُ - المالكيُّ -: "وجاز الكِراءُ مُشاهرةً، وهو: عبارةٌ - عندهم - عمَّا عُبِّرَ فيه بِكُلّ، نَحْوُ: كل شهر بكذا، أو كل يوم أو كل جمعة أو كل سنة بكذا، ولم يلزمِ الكراء لهما، فَلِكُلٍّ من المُتَكَارِئَيْنِ حَلُّهُ عن نفسه مَتَى شاءَ". ومعلوم أن عقد الإيجار القديم، لازمٌ للطرفين، بل ويرثه الذرية من بعده، وهذا لا يشك عالم في حرمته، وبطلان العقد، وأنه من الغصب، وليحذرْ كلُّ امرئ لنفسه؛ فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين "؛ رواه البخاري ومسلم عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعن أم سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما أنا بشرٌ، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضَكم أن يكون أبلغَ من بعض، فأحسب أنه صدق فأقضيَ له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعةٌ من النار، فليأخذْها، أو فليتركْها "؛ متفق عليه،، والله أعلم. هنا= 


حكم الإجارة على مدة مجهولة

وما هي أقصى مدة للإجارة ؟



الحمد لله
أولًا :
من شروط صحة الإجارة أن تكون المدة معلومة ، كسنة أو سنتين..، فإن كانت مجهولة، كقوله أجرتك بيتي أو دكاني ما دمت حيًا أو نحو ذلك لم تصح الإجارة.
قال ابن قدامة رحمه الله " الإجارة إذا وقعت على مدة يجب أن تكون معلومة كشهر وسنة. ولا خلاف في هذا نعلمه ؛ لأن المدة هي الضابطة للمعقود عليه , المعرفة له , فوجب أن تكون معلومة...." انتهى من "المغني" 5/251.
ثانيًا :
ليس في عقد الإجارة حد أقصى لتأجير العين ، فتصح الإجارة مهما طالت المدة ، ولكن بشرط أن يغلب على الظن بقاء العين المؤجرة .
قال ابن قدامة رحمه الله " ولا تتقدر أكثر مدة الإجارة، بل تجوز إجارة العين المدة التي تبقى فيها وإن كثرت. وهذا قول كافة أهل العلم . إلا أن أصحاب الشافعي اختلفوا في مذهبه، فمنهم من قال: له قولان، أحدهما، كقول سائر أهل العلم. وهو الصحيح .
الثاني: لا يجوز أكثر من سنة؛ لأن الحاجة لا تدعو إلى أكثر منها.
ومنهم من قال: له قول ثالث، أنها لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة، لأن الغالب أن الأعيان لا تبقى أكثر منها، وتتغير الأسعار والأجر.
ولنا قول الله تعالى إخبارًا عن شعيب عليه السلام، أنه قال" عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ" 27 القصص، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقم على نسخه دليل.
ولأن ما جاز العقد عليه سنة، جاز أكثر منها، كالبيع والنكاح والمساقاة، والتقدير بسنة وثلاثين، تحكم لا دليل عليه، وليس ذلك أولى من التقدير بزيادة عليه أو نقصان منه " انتهى من "المغني"5/253.
وجاء في "زاد المستنقع": " وإن أجر الدار ونحوها مدة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء العين فيها صح.."
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " سواء ظن بقاء العاقد أم لم يظن، مثل أن يؤجر هذا البيت لمدة ستين سنة، فالإجارة صحيحة؛ لأن ستين سنة يغلب على الظن أن يبقى البيت إليها، ولا سيما إذا كان من الإسمنت، وكان جديداً، فإن الغالب أنه يبقى، فإذا أجرها هذه المدة صح، لكن لو انهدمت قبل تمام المدة انفسخت الإجارة لتلف العين المعقود عليها، وللمستأجر حصته من الأجرة فيما لم يستوف منفعته.
وقوله: " مدة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء العين فيها" لو أجرها مدة طويلة يغلب على الظن أنها لا تبقى فيها، فظاهر كلام المؤلف أن الإجارة لا تصح... لو أجره البعير لمدة خمسين سنة فإنه لا يصح؛ لأن البعير لا يبقى إلى خمسين سنة، أو أجره سيارة لمدة مائة سنة فلا يصح؛ لأن الغالب أنها لا تبقى إلا أن توقف ولا تستعمل فهذا شيء آخر، لكن إذا استعملت فلا تبقى إلى هذه المدة.
فاشترط المؤلف في تأجير العين مدة يغلب على الظن بقاء العين فيها، فإن لم يغلب على الظن بقاء العين فيها فإنه لا يصح؛ لأنه لا يتم استيفاء المنفعة، ومن شرط الإجارة أن يمكن استيفاء المنفعة، فإذا استأجرها لمدة يغلب على الظن بقاء العين فيها، ولكنها لم تبق؛ فإن الإجارة تنفسخ ويسقط عن المستأجر بقسطه من الأجرة " انتهى من "الشرح الممتع" 10/47.

والله أعلم
الإسلام سؤال وجواب*
ما حكم استئجار رجل بعقد غير محدود المدة؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فالإجارة عقد على المنافع. وهي إما أن تكون على العمل فتتقيد بإنجازه وإتمامه، أو تكون على الزمن، ولا بد من تحديده. وقد اشترط الفقهاء لصحة الإجارة أن تكون المنفعة معلومة. ‏وصرحوا بأن ذلك يكون بأمور منها:
معرفة المدة التي تنتهي فيها الإجارة ولو طالت، ومنهم من قيدها بما يغلب على الظن بقاء العين فيها، ‏وهذا يختلف باختلاف العين، فإجارة الأرض ليست كإجارة الأشخاص والعقار.
قال ابن قدامة في المغني: الإجارة إذا وقعت على مدة يجب أن تكون معلومة كشهر وسنة . ولا خلاف في هذا نعلمه؛ لأن المدة هي الضابطة للمعقود عليه المعرِّفة له، فوجب أن تكون معلومة، كعدد المكيلات فيما بيع بالكيل . اهـ
وقال : ولا تتقدر أكثر مدة الإجارة، بل تجوز إجارة العين المدة التي تبقى فيها وإن كثرت . وهذا قول كافة أهل العلم . .... لقول الله تعالى إخبارًا عن شعيب عليه السلام أنه قال
" عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ" 27 القصص، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقم على نسخه دليل . اهـ من المغني.
وبالتالي فما ‏كان من عقود الإجارة خالياً من بيان المدة وجب فسخه للغرر والجهالة فيه ، وإنشاء العقد مرة أخرى مع ‏تحديد مدة الإجارة أو تحديد العمل المؤاجر عليه. ولا يجوز الجمع بين تحديد المدة والعمل عند جمهور العلماء كاستئجار العامل على بناء منزل في مدة معينة بينهما.
قال ابن قدامة في المغني: ومتى تقدرت المدة لم يجز تقدير العمل، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، لأن الجمع بينهما يزيدها غررًا، لأنه قد يفرغ من العمل قبل انتهاء المدة، فإن استعمل في بقية المدة فقد زاد على ما وقع عليه العقد، وإن لم يعمل كان تاركًا للعمل في بعض المدة. اهـ
والله أعلم. إسلام ويب .

  
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فما يسمى بنظام الإيجار القديم من العقود الباطلة شرعًا، لأن معلومية المدة في عقد الإجارة أمر واجب بلا خلاف بين الأئمة، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن استئجار المنازل جائز، ولا تجوز إجارتها إلا في مدة معينة معلومة. اهـ.
وقال ابن قدامة في المغني: الإجارة إذا وقعت على مدة يجب أن تكون معلومة كشهر وسنة، ولا خلاف في هذا نعلمه، لأن المدة هي الضابطة للمعقود عليه، المعرفة له فوجب أن تكون معلومة. انتهى. وراجع الفتوى: 103971.
وأما مسألة مقدار الأجرة فالعبرة فيه بما يتفق عليه في العقد، ولا ينظر إلى تكلفة العقار أوغيرها، بل للمالك أن يطلب أجرة معينة، وإذا رضيها المستأجر لزمته، ولا تحديد في ذلك شرعا، جاء في "المعايير الشرعية" الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص 138
: " ويجب أن تكون الأجرة معلومة، ويجوز تحديدها بمبلغ للمدة كلها، أو بأقساط لأجزاء المدة، ويجوز أن تكون بمبلغ ثابت أو متغير بحسب أي طريقة معلومة للطرفين ".

وعلى كل، فالمبالغة في مقدار الأجرة لا يحرم إذا تراضى عليه الطرفان؛ لكن يكره استغلال حاجة الناس وإرهاقهم بما يشق عليهم مشقة بالغة، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم للتاجر السمح بالرحمة فقال: رحم الله عبدا سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا قضى، سمحا إذا اقتضى. رواه مالك في الموطأ عن جابر رضي الله عنه، وبعضه في البخاري.
والأجرة أخت البيع في الأحكام غالبا. قال ابن بطال في شرح البخاري: فيه الحض على السماحة وحسن المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق ومكارمها، وترك المشاحة والرقة في البيع، وذلك سبب إلى وجود البركة فيه؛ لأن النبي عليه السلام لا يحض أمته إلا على ما فيه النفع لهم في الدنيا والآخرة، فأما فضل ذلك في الآخرة فقد دعا عليه السلام بالرحمة لمن فعل ذلك، فمن أحب أن تناله بركة دعوة النبي - عليه السلام - فليقتد بهذا الحديث ويعمل به. اهـ.
والله أعلم.إسلام ويب *


*الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فيشترط لصحة عقد الإجارة بيان المدة التي تنتهي فيها ، فإذا لم تبين هذه المدة فالإجارة فاسدة مفسوخة.
قال ابن قدامة في المغني : قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن استئجار المنازل والدواب جائز ، ولا تجوز إجارتها إلا في مدة معينة معلومة.اهـ
وهذا الشرط الذي يشترطه المستأجر على المؤجر يجعل مدة الإجارة غير معينة ولا معلومة ، وبالتالي تكون الإجارة فاسدة لخلوها من تحديد المدة، وما كان كذلك يجب فسخه ، ثم المؤجر مخير بين تأجيره لهذا المستأجر أو لغيره ملتزمًا بالشروط الشرعية في الإجارة.
وننبه هنا المستأجر إلى أنه لا يحل له البقاء على عقد الإجارة الذي لم تحدد مدته، وإذا كان يتكئ على عقد فاسد أو قوانين وضعية تسمح بهذا ، فعليه أن يعلم أن كل شرط أو قانون خالف حكم الله فهو باطل ، وأن عليه بمقتضى الإسلام أن يذعن لحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
قال عز وجل " إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" النور :51.
= إسلام ويب -مركز الفتوى - هنا=

الأحد، 1 يوليو 2018

ضوابط أشكال الصليب الممنوعة

ضوابط أشكال الصليب الممنوعة


السؤال:
أريد السؤال عن الصليب ما هي أشكاله ؟ وهل يعد علامة الزائد والضرب من أشكال الصليب؟ لأن ذلك أشكل عليّ وعلى كثير من الإخوان ، ولم أجد له جوابا .

الجواب:
الحمد لله
صناعة الصليب أو شراؤه أو نقشه على الملابس أو الجدران ونحو ذلك من المحرمات التي لا يجوز للمسلم ارتكابها ، فلا يصنعها بنفسه ولا يعين عليها ، بل يتقي الله تعالى ويتحرز عن شعار الكفر الذي افتراه النصارى في دينهم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" الصليب لا يجوز عمله بأجرة ولا غير أجرة ، ولا بيعه صليبا ، كما لا يجوز بيع الأصنام ولا عملها ، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " انتهى.
"مجموع الفتاوى" 22/141، وانظر "الموسوعة الفقهية" 12/84-88 .
ثانيًا :
للصليب أشكال وأنواع كثيرة ، تنوعت عبر الزمان والمكان واختلاف الطوائف النصرانية ، فاتخذ صورا متنوعة يمكن الاطلاع عليها في الرابط الآتي :
http://en.wikipedia.org/wiki/Cross
والذي يظهر لنا في حكم رسم وتعليق هذه الأنواع والأشكال من الصلبان ما يلي :
1- إذا كان قد رسم على أنه صليب ، فهذا لا يجوز للمسلم حمله ولا لبسه ولا شراؤه ولا بيعه ولا رسمه ؛ لأن علة تحريم رسم الصليب ولبسه هي البعد عن مشابهة النصارى وتعظيم رموزهم الدينية الباطلة ، وهذه العلة واقعة في كل شكل من أشكال الصليب التي تعرفها طوائف النصارى إذا كانت وضعت على أنها صليب لتعظم وترمز لما يريدون .
2- أما إذا رسمت زخرفة معينة ، أو صنعت بعض الأشياء المنزلية والأدوات العادية ، فوافق أن نتج عنها شكل من أشكال الصليب السابقة ، فهذا ينظر فيه :
أ‌- فإن كان يظهر للناظر لأول وهلة أنه رسم الصليب المشهور اليوم في معظم الكنائس ولدى أكثر النصارى ، وهو عبارة عن خطين أحدهما طولي والآخر عرضي ، بحيث يقطع الخط العرضي الخط الطولي ، وتكون الجهة العلوية أقصر من السفلية ، وهو الشكل الأشهر للصليب منذ أن أحدثه النصارى ، مأخوذ من الخشبة التي يصلب عليها من يُراد قتله ، فإن كان يظهر للناظر من الوهلة الأولى هذا الأمر ، وجب نقضه وإزالته ، أو تعديله بما يخرجه عن كونه صليبا ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم : لا يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه .
ب‌- أما إذا لم تكن صورة الصليب ظاهرة ، وإنما نتج عن زخرفة غير مقصودة ، أو كان البناء بالهندسة المتقاطعة أنفع وأكثر مرونة ، أو استعمل لرموز رياضية معينة ، كرمز الجمع أو الضرب في علم الحساب ، ففي هذه الحال لا يجب نقضه ولا إزالته ، ولا حرج في صنعه ولا في بيع ما احتوى عليه ، لانتفاء العلة ، وهي التشبه بالكفار وتعظيم رموزهم ، فإن رمز الصليب في هذه الحالة دقيق غير ملاحظ ، ولا معتبر .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" أولاً : لا بد أن نعلم أن هذا صليب ؛ لأن بعض الأشياء يظنها بعض الناس صلبانًا وليست كذلك .
ثانيًا : أن نعلم أنه وُضِع لأنه صليب ، لا لكونه نقشًا في الثوب مثلاً ؛ لأن النصارى يعظمون الصليب ، فلا يمكن أن يجعلوه وَشْيًا "زخرفة" في ثوب ، إنما يضعونه موضع الاحترام .
فلابد من هذين الأمرين ، فإذا تحققنا أنه صليب فإن الواجب تمزيقه ، أو على الأقل : السُّنَّةُ تمزيقه ، ولنقاطع هذه الثياب – التي عليها صلبان - ؛ فإذا قاطعناها ولم يستفد التجار منها قاطعوها أيضًا .
وكذلك يقال في النجمة السداسية التي يقال إنها شعار اليهود ، فحكمها حكم الصليب ، وإن كان اليهود لا يتخذونها على سبيل العبادة ؛ لكنها مختصة بهم .
نحن سألنا عنها النصارى الذين أسلموا ،يعني : عن الصلبان، فقالوا : إن الصليب عندنا هو الصليب المعروف ؛ أن يكون خطان ، أحدهما يقع عرضًا والثاني طولاً ، ويكون الطوليُّ مِن جانبٍ أطولَ من الثاني .
حتى إننا سألناهم عن ساعة الصليب هذه التي يسمونها ساعة الصليب فقالوا : هذه لا يراد بها الصليب ، هذه علامة الشركة فقط ؛ لأن الصليب عند النصارى يقولون عنه : إنه خط مرتفع طويل ، ثم خط عرْضي ، وأحد الجانبين في الخط الطولي أطول من الآخر ؛ لأن هذا هو الواقع ، فالإنسان المصلوب توضع له خشبةٌ عرضًا من أجل أن تربط بها يداه ، فهل يمكن أن تكون الخشبةُ الموضوعةُ لليدين موضوعةً في النصف ؟! لا .
بل تكون في الأعلى ، لهذا نحن في شك من هذه التي نُشِرَت قبل سنتين بأشكال مختلفة ، وقالوا : هذه صلبان ! ثم إن علامة (+) هل هي صليب ؟ ليست صليبًا .
كذلك يوجد فيما سبق الدلاء التي يُرفع بها الماء من البئر ، في أعلاها شيء يُسمى : العَرْقات ، عبارة عن خشبتين ، إحداهما عَرْضِية والأخرى طولية ، فمِن هذه الأشياء ليست صليبًا .
فالشيء الصليب هو الذي وُضع على أنه صليب " انتهى.
"لقاء الباب المفتوح" لقاء رقم 21/سؤال رقم 7.
وقال أيضًا رحمه الله :
" أما ما ظهر منه أنه لا يراد به الصليب ، لا تعظيما ، ولا بكونه شعارا ، مثل بعض العلامات الحسابية ، أو بعض ما يظهر بالساعات الإلكترونية من علامة زائد ، فإن هذا لا بأس به ، ولا يعد من الصلبان بشيء " انتهى.
"مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" ج 18 / 114 ، 115 ، جواب السؤال رقم 74 .
وسئل رحمه الله في "لقاءات الباب المفتوح" لقاء رقم/199، سؤال رقم/9:
مررت بأحد المباني في إحدى مدننا ، وكان هذا المبنى النوافذ فيه على شكل صلبان - كل النوافذ - وهو مكون من عشرة طوابق ، وهي مشابهة تماما لما يصممه الغربيون في منازلهم؟
فأجاب:
"والله يا أخي ! هذه تحتاج إلى مشاهدة العمارة ، وليس كل ما جاء على شكل الصليب يكون صليبًا ، وإلا لقلنا : علامة زائد حرام ، وقلنا : الغرب الذي كان الناس يستقون به حروثهم حرام ؛ لأنه معروف ، خشبتان معترضتان ، الصليب له شكل معين ، وله قرائن تدل على أنه صليب ، فيحتاج إلى مشاهدة العمران " انتهى بتصرف يسير.
وانظر جواب السؤال رقم : 101399
والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب*

الثلاثاء، 15 مايو 2018

هل المؤذن له أجر مَن صلَّى مَعَهُ؟

هل المؤذن له أجر مَن صلَّى مَعَهُ؟

هذا غير صحيح ؛ لأنه مبني على فَهْم حديث ضعيف ، وهو " وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى مَعَهُ " ، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ، وإسناد هذه الزيادة ضعيف . كما قال الشيخ شعيب الأرنؤوط . وأشار إلى ضعفها الحافظ ابن رجب في " فتح الباري " .
*وأما ما يفضله المؤذنون ، ففي ثلاثة أشياء :
المغفرة له مدّ صوته ، وتصديق مَن سمعه له ، وطُول الأعناق يوم القيامة .
لقوله عليه الصلاة والسلام "الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَطْبٍ وَيَابِسٍ" . رواه الإمام أحمد والنسائي . وقال الهيثمي : رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْبَزَّارُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: " وَيُجِيبُهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ ". وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ .وصححه الألباني والأرنؤوط .
ولقوله عليه الصلاة والسلام " الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رواه مسلم .

=ومَن تابَع المؤذِّن في الأذان ، فلَه مثل أجْر المؤذِّن .
*ولَمّا قال رجل : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا . قَالَ " قُلْ كَمَا يَقُولُونَ ، فَإِذَا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَهْ " رواه أبو داود ، وصححه الألباني .
ومَن تابَع المؤذِّن في الأذان ، ثم سأل الله الوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم ، حَلَّت له شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم .
قال عليه الصلاة والسلام " إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ ، لاَ تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ" . رواه مسلم .
والله تعالى أعلم .

المجيب الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد
=شبكة مشكاة الإسلامية=

أن رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، إن المؤذنين يَفْضِلوننا ؟ فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم" قلْ كما يقولون، فإذا انتهيتَ فسلْ تُعْطَه".
الراوي : عبدالله بن عمرو - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح أبي داود-
الصفحة أو الرقم: 524 - خلاصة حكم المحدث : حسن صحيح-الدرر السنية-
الشرح:
الأذانُ شَعيرةٌ إسلاميَّةٌ جَليلَةٌ، وقد كرَّمَ اللهُ تعالَى المؤذِّنينَ فجعَلَهم أطولَ النَّاسِ أعْناقًا يومَ القيامَةِ، وفضَّلَهم بالأجْرِ العَظيمِ الَّذي جعَلَ الصَّحابةَ رضِيَ اللهُ عنهم يتطَلَّعون إلى ذلك الفضْلِ.
وفي هذا الحَديثِ يَحكِي الصَّحابيُّ الجليلُ عبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو رضِيَ اللهُ عنهما: أنَّ رجُلًا قال للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: "إنَّ المؤَذِّنين"، وهم الَّذين يرْفَعون الأَذانَ للصَّلواتِ ويُنادونَ بها، "يَفْضُلونَنا"، أي: يَفْضُلون علينا بأجْرِ الأَذانِ وثَوابِه، ويَسبِقونَنا في الفضْلِ؟ فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: "قُل كما يَقولون"، أي: إذا أردْتَ أن تَلحَقَهم في الأجْرِ والثَّوابِ فردِّدْ وراءَ المؤذِّنِ إذا نادَى للصَّلاةِ؛ فبذلك تأخُذُ أجْرًا مثلَ أجرِهم، وتَكونُ معهم في الفضْلِ والثَّوابِ، "فإذا انتَهيْتَ"، أي: فإذا فرَغْتَ من التَّرديدِ وراءَ المؤذِّنِ، "فسَلْ"، أي: فاسأَلِ اللهَ ما تشاءُ بالدُّعاءِ، "تُعْطَه"، أي: يُعطِك اللهُ ما تَسأَلُ، ويستَجبْ لك دُعاءَك.
وفي الحَديثِ: عِظَمُ فضْلِ المؤَذِّنين.
وفيهِ: الحَثُّ على التَّرديدِ وراءَ المؤذِّنِ.
وفيه: أنَّ الدُّعاءَ عَقِبَ الفراغِ مِن الأذانِ مُستَجابٌ.

-الدرر السنية-
*ومن أسرار الأذان العظيمة، أن من ردد الأذان من قلبه دخل الجنة.
روى مسلم عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قَالَ المؤَذِّنُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ أَحَدُكُمْ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ،مِنْ قَلْبِهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ»

شرح الحديث:
أمَرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم السَّامِعَ للأذانِ أن يُردِّد ما يسمعُه خلفَ المؤذِّن، فقال: إذا سَمِعتُم المؤذِّنَ فقولوا مِثلَ ما يقول، فالسامِعُ يُردِّد ما يقوله المؤذِّنُ إلَّا في قولِه: «حَيَّ على الصَّلاة» و«حَيَّ على الفَلَاحِ» فإنَّه يقول فيهما: لا حَوْلَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله، وفي هذا الحديثِ يُخبِر صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ مَن ردَّد الأذانَ بلِسانِه وقلبِه خلفَ المؤذِّنِ فإنَّه يَدخُل الجنَّةَ بهذا الفِعل. -الدرر-

*ومن أسرار الأذان العظيمة أن من قال حين يسمع المؤذن: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا»غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ.
روى مسلم عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ»مسلم- الدرر-

*وأن من قال حين يسمعه:
«اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ» وجبت له شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة في دخول الجنة.
روى البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ»صحيح البخاري-الدرر-
شرح الحديث:
في اليومِ أوقاتٌ للدُّعاءِ المُستجابِ إذا لَزِمَها المُسلم تأتي له بالخيرِ الكثير، وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: من قال "حين يَسمعُ النِّداء" ، أي: عَقِبَ سَماعِه للأذانِ وانتهاء المُؤذِّن منه، "اللَّهم رَبَّ هذه الدَّعوةِ التَّامَّة" ، أي: ألفاظ الأذان الَّتي يُدْعى بها إلى عِبادة الله تعالى، والمُراد بالتَّامَّة: الكاملة الَّتي لا يَدخُلُها تغييرٌ ولا تبديلٌ بَلْ هي باقِيةٌ إلى يومِ القيامةِ. " والصَّلاةِ القائِمة"، أي: الدَّائِمة، "آتِ"، أَعْطِ، "مُحَمَّدًا الوَسيلةَ" ، أي: المَنزِلة العالِية في الجنَّةِ الَّتي لا تنبغي إلَّا له صلَّى الله عليه وسلَّم، "والفَضِيلةَ"، أي: المَرتَبَةَ الزَّائِدةَ على سائِر المَخلوقين، ويَحتِمل أنْ تكونَ الفَضِيلةُ مَنزِلةً أُخرى، "وابْعَثْه"، أي: النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، "مَقامًا مَحْمودًا"، أي: المَنزِلة يومَ القيامةِ الَّتي يَحمَدُه لأَجْلِهِ جَميعُ أهلِ المَوقِف، وهو مَقام الشَّفاعة، الَّذي وَعَدْتَهُ، أي: ذلك المَقام الَّذي ذَكرتَه في كِتابك بقولِك"عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا"الإسراء: 79. فمَن قال هذا من قال ذلك حين سَمِعَ الأذان "حَلَّتْ له شَفاعتي"، أي: اسْتَوْجَبَ واسْتَحَقَّ شَفاعة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، يومَ القِيامةِ، وشَفاعتُه صلَّى الله عليه وسلَّم تكون للمُذْنِبِينَ، أو في إِدْخال الجنَّةِ مِن غيرِ حِسابٍ، أو رَفْعِ الدَّرجاتِ يومَ القيامةِ، كُلٌّ بِحسَب حالِه.
وفي الحديثِ: فضلُ هذا الذِّكرِ بعد الأذانِ، والحَضُّ على الدُّعاءِ في أوقاتِ الصَّلاة حين تُفْتَحُ أبوابُ السَّماء للرَّحمةِ.-الدرر-

اعلموا أيها الإخوة المؤمنون أن ثمرة العلم العمل, فإِنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ بِالتَّمَنِّي وَلَا بِالتَّحَلِّي، وَلَكِنَّهُ مَا وَقَرَ فِي الْقُلُوبِ وَصدَّقَتْهُ الْأَعْمَالُ كما قال الحسن البصري رحمه الله.
قال الإمام النووي: «اعلم أنه ينبغي لمن بلغه شيء في فضائل الأعمال أن يعمل به، ولو مرَّة واحدة؛ ليكون من أهله، ولا ينبغي له أن يتركه مطلقًا، بل يأتي بما تيسر منه، لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بَشَيءٍ فأْتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ»صحيح مسلم -الدرر-